تفسير ابن كثر - سورة آل عمران - الآية 13

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email
قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ۚ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ (13) (آل عمران) mp3
" قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَة " أَيْ قَدْ كَانَ لَكُمْ أَيّهَا الْيَهُود الْقَائِلُونَ مَا قُلْتُمْ آيَة أَيْ دَلَالَة عَلَى أَنَّ اللَّه مُعِزّ دِينه وَنَاصِر رَسُوله وَمُظْهِر كَلِمَته وَمُعْلٍ أَمْره " فِي فِئَتَيْنِ " أَيْ طَائِفَتَيْنِ " اِلْتَقَتَا " أَيْ لِلْقِتَالِ " فِئَة تُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه وَأُخْرَى كَافِرَة " وَهُمْ مُشْرِكُو قُرَيْش يَوْم بَدْر وَقَوْله " يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأَى الْعَيْن " قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء فِيمَا حَكَاهُ اِبْن جَرِير يَرَى الْمُشْرِكُونَ يَوْم بَدْر الْمُسْلِمِينَ مِثْلَيْهِمْ فِي الْعَدَد رَأْيَ أَعْيُنهمْ أَيْ جَعَلَ اللَّه ذَلِكَ فِيمَا رَأَوْهُ سَبَبًا لِنُصْرَةِ الْإِسْلَام عَلَيْهِمْ وَهَذَا لَا إِشْكَال عَلَيْهِ إِلَّا مِنْ جِهَة وَاحِدَة وَهِيَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ بَعَثُوا عُمَر بْن سَعْد يَوْمئِذٍ قَبْل الْقِتَال يَحْزِر لَهُمْ الْمُسْلِمِينَ فَأَخْبَرَهُمْ بِأَنَّهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ يَزِيدُونَ قَلِيلًا أَوْ يَنْقُصُونَ قَلِيلًا وَهَكَذَا كَانَ الْأَمْر . كَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَبِضْعَة عَشَر رَجُلًا ثُمَّ لَمَّا وَقَعَ الْقِتَال أَمَدَّهُمْ اللَّه بِأَلْفٍ مِنْ خَوَاصّ الْمَلَائِكَة وِسَادَاتهمْ. " وَالْقَوْل الثَّانِي " أَنَّ الْمَعْنَى فِي قَوْله تَعَالَى " يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْن " أَيْ يَرَى الْفِئَة الْمُسْلِمَة الْفِئَة الْكَافِرَة مِثْلَيْهِمْ أَيْ ضِعْفَيْهِمْ فِي الْعَدَد وَمَعَ هَذَا نَصَرَهُمْ اللَّه عَلَيْهِمْ وَهَذَا لَا إِشْكَال فِيهِ عَلَى مَا رَوَاهُ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس : أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانُوا يَوْم بَدْر ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَة عَشَر رَجُلًا وَالْمُشْرِكِينَ كَانُوا سِتّمِائَةٍ وَسِتَّة وَعِشْرِينَ وَكَأَنَّ هَذَا الْقَوْل مَأْخُوذ مِنْ ظَاهِر هَذِهِ الْآيَة وَلَكِنَّهُ خِلَاف الْمَشْهُور عِنْد أَهْل التَّوَارِيخ وَالسِّيَر وَأَيَّام النَّاس وَخِلَاف الْمَعْرُوف عِنْد الْجُمْهُور أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا بَيْن تِسْعمِائَةٍ إِلَى أَلْف كَمَا رَوَاهُ مُحَمَّد بْن إِسْحَق عَنْ يَزِيد بْن رُومَان عَنْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سَأَلَ ذَلِكَ الْعَبْد الْأَسْوَد لِبَنِي الْحَجَّاج عَنْ عِدَّة قُرَيْش قَالَ : كَثِير . قَالَ " كَمْ يَنْحَرُونَ كُلّ يَوْم " ؟ قَالَ : يَوْمًا تِسْعًا وَيَوْمًا عَشْرًا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " الْقَوْم مَا بَيْن تِسْعمِائَةٍ إِلَى أَلْف " . وَرَوَى أَبُو إِسْحَق السَّبِيعِيّ عَنْ جَارِيَة عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : كَانُوا أَلْفًا وَكَذَا قَالَ اِبْن مَسْعُود . وَالْمَشْهُور أَنَّهُمْ كَانُوا مَا بَيْن التِّسْعمِائَةِ إِلَى الْأَلْف وَعَلَى كُلّ تَقْدِير فَقَدْ كَانُوا ثَلَاثَة أَمْثَال الْمُسْلِمِينَ وَعَلَى هَذَا فَيُشْكِل هَذَا الْقَوْل وَاَللَّه أَعْلَم لَكِنْ وَجَّهَ اِبْن جَرِير هَذَا وَجَعَلَهُ صَحِيحًا كَمَا تَقُول عِنْدِي أَلْف وَأَنَا مُحْتَاج إِلَى مِثْلَيْهَا وَتَكُون مُحْتَاجًا إِلَى ثَلَاثَة آلَاف وَكَذَا قَالَ وَعَلَى هَذَا فَلَا إِشْكَال لَكِنْ بَقِيَ سُؤَال آخَر وَهُوَ وَارِد عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ أَنْ يُقَال مَا الْجَمْع بَيْن هَذِهِ الْآيَة وَبَيْن قَوْله تَعَالَى فِي قِصَّة بَدْر " وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ اِلْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلكُمْ فِي أَعْيُنهمْ لِيَقْضِيَ اللَّه أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا " فَالْجَوَاب أَنَّ هَذَا كَانَ فِي حَالَة وَالْآخَر كَانَ فِي حَالَة أُخْرَى كَمَا قَالَ السُّدِّيّ عَنْ الطَّيِّب عَنْ اِبْن مَسْعُود فِي قَوْله تَعَالَى " قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَة فِي فِئَتَيْنِ اِلْتَقَتَا " الْآيَة قَالَ : هَذَا يَوْم بَدْر . قَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : وَقَدْ نَظَرْنَا إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَرَأَيْنَاهُمْ يُضْعَفُونَ عَلَيْنَا ثُمَّ نَظَرْنَا إِلَيْهِمْ فَمَا رَأَيْنَاهُمْ يَزِيدُونَ عَلَيْنَا رَجُلًا وَاحِدًا وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى " وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ اِلْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلكُمْ فِي أَعْيُنهمْ " الْآيَة وَقَالَ أَبُو إِسْحَق عَنْ أَبِي عَبْدَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ : لَقَدْ قُلِّلُوا فِي أَعْيُننَا حَتَّى قُلْت لِرَجُلٍ إِلَى جَانِبِي : تَرَاهُمْ سَبْعِينَ قَالَ : أَرَاهُمْ مِائَة. قَالَ : فَأَسَرْنَا رَجُلًا مِنْهُمْ فَقُلْنَا كَمْ كُنْتُمْ ؟ قَالَ : أَلْفًا فَعِنْدَمَا عَايَنَ كُلّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ الْآخَر رَأَى الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ مِثْلَيْهِمْ أَيْ أَكْثَر مِنْهُمْ بِالضِّعْفِ لِيَتَوَكَّلُوا وَيَتَوَجَّهُوا وَيَطْلُبُوا الْإِعَانَة مِنْ رَبّهمْ عَزَّ وَجَلَّ وَرَأَى الْمُشْرِكُونَ الْمُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ لِيَحْصُل لَهُمْ الرُّعْب وَالْخَوْف وَالْجَزَع وَالْهَلَع ثُمَّ لَمَّا حَصَلَ التَّصَافّ وَالْتَقَى الْفَرِيقَانِ قَلَّلَ اللَّه هَؤُلَاءِ فِي أَعْيُن هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ فِي أَعْيُن هَؤُلَاءِ لَيُقْدِمَ كُلّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَر " لِيَقْضِيَ اللَّه أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا " أَيْ لِيُفَرَّقَ بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل فَيُظْهِر كَلِمَة الْإِيمَان عَلَى الْكُفْر وَالطُّغْيَان وَيُعِزّ الْمُؤْمِنِينَ وَيُذِلّ الْكَافِرِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّه بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّة " وَقَالَ هَهُنَا " وَاَللَّه يُؤَيِّد بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَار " أَيْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَة لِمَنْ لَهُ بَصِيرَة وَفَهْم لِيَهْتَدِيَ بِهِ إِلَى حُكْم اللَّه وَأَفْعَاله وَقَدَرِهِ الْجَارِي بِنَصْرِ عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ فِي هَذِهِ الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيَوْم يَقُوم الْأَشْهَاد .
none
Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email

كتب عشوائيه

  • القدوة مبادئ ونماذج

    القدوة مبادئ ونماذج : فإن الدعوة إلى الله أمر جليل ودعامة عظيمة من دعائم ترسيخ المبادئ الحقة في المجتمع المسلم، ومن أهم طرق الدعوة إلي الله والتي يكون مردودها أوقع وأقوى في النفوس " القدوة الصالحة " والتي يرى فيها الناس واقعًا معاشًا للمبادئ التي يدعو إليها.. القول فيها صنو العمل. ولأهمية هذا الأمر أردت في هذه الورقات أن أنبه إلى بعض إشارات تعين على أداء تلكم المهمة العظيمة والرسالة الشريفة.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144919

    التحميل:

  • الحكمة

    الحكمة: فلما للحكمة من مكانة عظيمة من الكتاب والسنة، ولحاجة الأمة حاضرًا ومستقبلاً إليها في كل شؤونها، ولخفاء معنى الحكمة على كثيرٍ من المسلمين، فقد قمتُ ببحث هذا الموضوع في ضوء القرآن الكريم، مسترشدًا بآياته، مستشهدًا بقَصَصه، متأملاً لأوامره ونواهيه، مع النهل من معين السنة في فهم معنى الحكمة، .. كما أفدتُ من كلام السلف من الصحابة ومن بعدهم، توضيحًا لمعاني الحكمة ومدلولاتها، وقد بذلتُ جهدي، وحرصتُ على ضرب بعض الأمثلة من الواقع المعاصر تقريبًا للفهم، وتحقيقًا للقصد.

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337580

    التحميل:

  • أعمال القلوب [ الرضا ]

    الرضا عمل قلبي من أرفع أعمال القلوب وأعظمها شأناً; وقد يبلغ العبد بهذا العمل منزلة تسبق منازل من أتعب بدنه وجوارحه في العمل; مع أن عمله أقل من عملهم. يقول ابن القيم: ( طريق الرضا والمحبة تُسيّر العبد وهو مستلق على فراشه; فيصبح أمام الركب بمراحل ).

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/340020

    التحميل:

  • الاختلاط تحرير وتقرير وتعقيب

    الاختلاط تحرير وتقرير وتعقيب: تحدَّث الكتاب عن الاختلاط وآثاره وأخطاره; ورد على الشبهات المثارة حول هذا الموضوع لا سيما في هذا العصر; مُستدلاًّ بكلام الله تعالى وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314846

    التحميل:

  • البراهين الإنجيلية على أن عيسى عليه السلام داخل في العبودية ولا حظ له في الألوهية

    هذه رسالة لطيفة مختصرة ناقش فيها الشيخ - رحمه الله - دعوى النصارى من كتابهم، وبيَّن كذبَهم وتلبيسَهم، فأوضَحَ: 1- إثبات عبودية عيسى - عليه السلام - من كتابهم الإنجيل مع ما حصل عليه من التحريف والتزييف. 2- الأدلة البيِّنة من الإنجيل أن عيسى - عليه السلام - من البشر. 3- كشف أسطورة صلب المسيح وبيان وهنها وضعفها. 4- تبشير الإنجيل - على ما فيه من تحريف - بنبوَّة محمد - صلى الله عليه وسلم -. 5- بيان بعض حكاياته مع بعض مُتعصِّبة النصارى ورد شيءٍّ من شُبَههم. 6- العتب على المسلمين لتقصيرهم في هذا الجانب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/343862

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة